صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

107

شرح أصول الكافي

اي بشيء من الحواس الظاهرة ، والا لكان جسما أو جسمانيا ، ولا مجسوس اي بشيء من المشاعر الباطنة ، والا لكان له صورة في الذهن تساويه فكان ذا ماهية كليّة ، وهو محال كما مرّ . وقوله : علا فقرب ، كلمة « فا » للترتيب والسببية ، فمعنى الكلام : انه تعالى لأجل غاية علوه يكون قريبا من الأشياء ، وذلك حق ، لان علوّه ليس بالمكان بل بكمال رتبة الوجود وشدة نوره ، والنور كلما كان أشد وأقوى كان أقرب وأدنى ، واعتبر ذلك بنور الشمس وهي في السماء الرابعة وبنور السّراج أو المشعل وهو عندك في وجه الأرض فانظر ايّهما أقرب منك ، حتى تعلم أن أعلى الموجودات شرفا ونورا يجب ان يكون أقربها منك . واما قوله : ودنا فبعد ، فلانّ غاية دنوه وثباته على حالة واحدة صارا سببين لاحتجابه عن البصائر ، والاحتجاب والبعد متلازمان والمحجوب عن الشيء يكون بعيدا عنه لا محالة ، كما أن البعيد عن الشيء إذا أمعن في البعد يصير محجوبا عنه . امّا سببية الأول فلانّ غاية دنوّ النّور وغلبة اشراقه توجب انقهار القوة المدركة وكلالها ، فيعرض لها ما يعرض عين الخفاش من اشراق الشمس فلا يدركه فيحجب عنها ، فكذلك حال البصائر في احتجاب الحق عنها . واما سببية الثاني فلان الأشياء قد تعرف باضدادها ، ومعلوم انه تعالى لا ضد له ، فلا يعرف من هذه الطريق أيضا ، فلأجل ذلك كان محتجبا عن خلقه . وقوله : وعصى ، بصيغة المجهول ، فغفر وأطيع فشكر ، انّ من أسماء اللّه : الغفور والشكور وهما متقاربان ، لكن أحدهما بالقياس إلى المعصية والاخر بالقياس إلى الطاعة ، فبالأول يستر المعصية بنور الرحمة ، وبالثاني يزكو عنده القليل من الطاعة فيضاعف بالكثير من الجزاء . قوله عليه السلام : لا تحويه ارضه ولا تقله سماواته ، لا تحويه اي لا تجمعه من الحواء وهو اسم المكان الذي يضم الشيء ويجمعه ، ولا تقله اي لا يحمله ، وأصل الاقلال من القلة فان الحامل للشيء يستقله ، والغرض نفي المكانية والجسمانية عنه بالكلية واثبات براءته عن الكون الجسماني ، فانّ كل جسماني اما في الأرض أو في السماء ، ولأجل هذا لم يقل لا تحويه سماء ولا تقله ارض كما هو المتعارف ، لان ذلك لا ينفي مطلق الكون الجسماني ، وإضافة الأرض والسّماوات إليه إضافة المخلوقية والملك .